عام على "آذار الأسود": ماذا بقي من حقيقة أحداث الساحل السوري؟
Blog post description.
3/7/20261 min read
مرّ عام كامل على الأحداث الدامية التي شهدها الساحل السوري في مارس/آذار 2025، لكن الأسئلة الكبرى ما تزال معلّقة. ففي حين بدأت السلطات خطوات قضائية لمحاكمة بعض المتهمين، يرى حقوقيون وناشطون أن الطريق نحو العدالة ما زال طويلاً، وأن ما جرى في تلك الأيام لم يُكشف بعد بكل تفاصيله.
خلال أيام قليلة من ذلك الشهر، تحولت محافظات اللاذقية وطرطوس وأجزاء من ريف حماة الغربي إلى مسرح لموجة عنف غير مسبوقة منذ سنوات. اشتباكات مسلحة، عمليات قتل ميداني، وانتهاكات متبادلة طاولت مدنيين وعسكريين، لتخلّف وراءها مئات الضحايا وتثير مخاوف واسعة من انزلاق المنطقة إلى صراع طائفي مفتوح.
لكن ما حدث في تلك الأيام لم يكن مجرد انفجار أمني عابر، بل كشف عن شبكة معقدة من العنف والانقسامات والتدخلات المسلحة التي لا تزال تداعياتها تؤثر في المجتمع المحلي حتى اليوم.
أرقام ثقيلة… وحقيقة أكثر تعقيداً
وفق ما أعلنته لجنة التحقيق الوطنية في أحداث الساحل السوري، التي شُكّلت بمرسوم رئاسي في يوليو/تموز الماضي، فقد تم تحديد هوية 298 شخصاً يشتبه بتورطهم في أعمال العنف التي شهدتها المنطقة.
وتشير بيانات اللجنة إلى مقتل 1426 شخصاً وفقدان 20 آخرين خلال أحداث مارس/آذار 2025، فيما كشفت التحقيقات عن تورط نحو 600 شخص في الانتهاكات، من بينهم قرابة 300 من فلول النظام السابق و300 آخرون من عناصر أمن وجيش وفصائل وعشائر.
كما تحدثت اللجنة عن وصول ما يقارب 200 ألف مسلح إلى الساحل السوري خلال تلك الفترة، بهدف استعادة السيطرة على المنطقة من "فلول النظام السابق". إلا أن جزءاً من هؤلاء لم يكن تابعاً للجهات الحكومية، الأمر الذي أدى إلى وقوع عمليات قتل ونهب وانتهاكات واسعة النطاق.
من الهجمات إلى الانتقام
يقول فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، إن ما جرى لم يكن موجة واحدة من العنف، بل سلسلة متتابعة من الانتهاكات.
فبحسب توثيقات الشبكة، بدأت الأحداث بهجمات نفذتها مجموعات من فلول النظام السابق استهدفت مؤسسات الدولة والحواجز الأمنية، وأسفرت عن مقتل عدد من عناصر الأمن والسيطرة المؤقتة على بعض المناطق.
لكن تلك الهجمات سرعان ما أعقبتها موجة انتقامية واسعة، اتخذت في كثير من الأحيان طابعاً طائفياً، واستهدفت مناطق في الساحل وسكانها، وخاصة من الطائفة العلوية.
ويضيف عبد الغني أن تلك المرحلة شهدت قتل عائلات بأكملها، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى عمليات نهب للمنازل والممتلكات.
وتشير تقديرات الشبكة إلى أن الحصيلة الإجمالية للضحايا قد تصل إلى نحو 1700 شخص.
أولى المحاكمات… ولكن
في 18 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، شهد قصر العدل في حلب أول جلسة محاكمة علنية للمتهمين بالانتهاكات المرتبطة بأحداث الساحل.
القضية شملت 14 متهماً، بينهم سبعة من فلول النظام السابق وسبعة آخرون من عناصر ينتمون إلى فصائل مرتبطة بجهات حكومية.
وخلال الجلسة، استعرضت المحكمة الأدلة والشهادات المتعلقة بالانتهاكات، إضافة إلى إفادات المتهمين ومحاضر التحقيق.
ويرى فضل عبد الغني أن بدء المحاكمات يمثل تطوراً مهماً، خصوصاً أنها المرة الأولى التي تتهم فيها السلطات السورية أفراداً محسوبين عليها وتباشر بإجراءات قضائية ضدهم.
لكن عبد الغني يشدد على أن هذه الخطوة ليست كافية، موضحاً أن حجم الانتهاكات واتساع رقعتها الجغرافية يجعل عملية التحقيق والتوثيق مهمة معقدة تتطلب موارد بشرية كبيرة.
كما يشير إلى أن تراجع التمويل المخصص للمنظمات الحقوقية أدى إلى تقليص عدد العاملين في توثيق الانتهاكات، ما يحد من القدرة على متابعة جميع الملفات.
العدالة الناقصة
في المقابل، يرى المحامي والناشط الحقوقي غزوان قرنفل أن ما جرى حتى الآن لا يرقى إلى مستوى العدالة المطلوبة.
ويقول إن لجنة التحقيق "لم تكن على مستوى الحدث"، مشيراً إلى أن ما أعلنته لا يعكس تحقيقاً شاملاً في جميع الجرائم التي وقعت.
ويضيف:
"لم نشهد حتى الآن محاكمات علنية حقيقية لكل المتورطين، ولا يمكن الحديث عن عدالة حقيقية في ظل وجود جهات ما تزال خارج نطاق المساءلة".
ويؤكد قرنفل أن تحقيق العدالة يتطلب سقوط الحماية عن جميع المتورطين، مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
سؤال العدالة الشاملة
بالنسبة للطبيب زين مهنا، وهو ناشط في مجال السلم الأهلي في اللاذقية، فإن المشكلة لا تقتصر على أحداث الساحل وحدها.
فهو يرى أن العدالة لا يمكن أن تتحقق إذا جرى التعامل مع هذه الأحداث بمعزل عن بقية الجرائم التي شهدتها سورية خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
ويضيف أن بعض المتهمين تمكنوا من الفرار بسبب تأخر إجراءات التوقيف، فيما يبقى ملف الأطفال المفقودين والمغيبين مع عائلاتهم من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.
الساحل اليوم… بين الاستقرار والذاكرة الثقيلة
على الأرض، تبدو الحياة في مدن الساحل السوري اليوم مختلفة عما كانت عليه قبل عام.
يقول مهيار بدرة، وهو من أبناء مدينة جبلة ومسؤول مبادرة "ابن البلد" للتعايش السلمي، إن مدن الساحل مثل اللاذقية وجبلة وبانياس وطرطوس تشهد حالياً حالة من الاستقرار النسبي.
ويضيف أن السكان بدأوا تدريجياً التأقلم مع الواقع الجديد والتعايش مع بعضهم البعض بعد أشهر من التوتر والخوف.
لكن بدرة يلفت إلى أن الهم الأكبر لمعظم السكان اليوم لم يعد سياسياً أو أمنياً، بل اقتصادياً.
ويقول:
"الناس هنا مشغولة قبل كل شيء بتأمين لقمة العيش".
الحقيقة المؤجلة
بعد عام على أحداث الساحل السوري، تبدو العدالة عملية بطيئة ومليئة بالتحديات. فبين التحقيقات الجارية والمحاكمات المحدودة، وبين الانتقادات الحقوقية والدعوات للمحاسبة الشاملة، ما تزال الحقيقة الكاملة لما جرى في مارس/آذار 2025 غير مكتملة.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثير من السوريين اليوم:
هل ستقود هذه التحقيقات إلى عدالة حقيقية تعيد الثقة بين المجتمع والدولة، أم أن الملف سيتحول إلى صفحة أخرى من صفحات الحقيقة المؤجلة في تاريخ الصراع السوري؟


My post content
